مرحبا..معكم وفاء

بين الظلم والتسامح، حين يلتقي علم النفس بالمنظور الروحي


في رحلة الوعي الذاتي، نحمل غالبا أفكارا موروثة وبرمجيات عميقة تشكل نظرتنا للوجود. من أبرزها فكرتان متلازمتان: "الظلم" بوصفه تفسيرا شاملا لكل ألم نمر به، و"التسامح" بوصفه تفضّلاً نمنحه للآخرين من موقع الضحية البريئة. هذا المقال يقرأ الفكرتين من زاويتين معا: زاوية نفسية تستند إلى أبحاث معروفة، وزاوية روحية شخصية أطرحها كمنظور لا كحقيقة علمية قاطعة. الظلم الفعلي حين يقع، يبقى ظلماً حقيقياً لا ينبغي إنكاره أو تذويبه في أي من الزاويتين؛ وفي الوقت نفسه، هناك مساحة واسعة من ألمنا اليومي مصدرها طريقة تفسيرنا وأنماط استجابتنا، لا الأحداث نفسها. الحرية تبدأ من معرفة الفرق بين الاثنين.

1- ما لا نعرف سببه المباشر... وما نجذبه فعلاً..

يميل الإنسان إلى إطلاق مصطلح "الظلم" على كل حدث سلبي لا يدرك سببه المباشر. من الناحية النفسية، هذا فخ معرفي معروف يسمى "التحيّز الإسنادي": نميل لعزو أسباب تجاربنا المؤلمة إلى عوامل خارجية أكثر مما نتفحص أنماطنا الداخلية في التفسير والتفاعل والاختيارات المتكررة في علاقاتنا.

ومن منظور روحي شخصي، أذهب أبعد قليلا من ذلك: أؤمن بأن ذبذباتنا الداخلية ومشاعرنا المتراكمة الواعية وغير الواعية، تشكل نوعا من الحقل الطاقي الذي ينجذب إليه ما يشبهه من مواقف وأشخاص وتكرارات. هذا ليس ادعاء علميا، بل عدسة روحية أجدها شخصيا مفيدة لمساءلة نفسي عن الأنماط التي أكررها باختياري، لا لتفسير كل ما يصيبني.

لكن لهذا المنظور حدودا أراها ضرورية: حين يتحول أذى حقيقي  إساءة، خيانة، اعتداء، ظلم فعلي وقع من طرف آخر  إلى "شيء جذبته أنت بذبذباتك"، تتحول الفلسفة من أداة تحرر إلى عبء إضافي فوق الجرح، ويصبح من تعرض للأذى مسؤولا عما فعل به. لذلك أطرح هذا المنظور كدعوة للتأمل في الأنماط المتكررة التي نصنعها نحن بأنفسنا، لا كتفسير شامل يحمل كل من تعرض لظلم فعلي وزره.

2- التسامح: ليس تبرئة للآخر، بل تحرير للذات..

ينظر للتسامح غالبا على أنه صك غفران نمنحه لمن آذانا، من موقع المتفضل. لكن أبحاث علم النفس الإيجابي حول التسامح تكشف شيئا مختلفا: التسامح لا يعني أن ما حدث كان صوابا، ولا أنه صك براءة للآخر. هو فك الارتباط العاطفي الذي يبقي جرحك مشدودا إلى من تسبب فيه.

طالما ظل سلامك النفسي معلقا على انتظار اعتذار، أو تغير، أو "عقاب" يناله من آذاك، يبقى سلامك في يد شخص آخر. التسامح الحقيقي يعيد قرار سلامك إليك أنت، بغض النظر عمّا يفعله الطرف الآخر أو لا يفعله. ومن المنظور الروحي أيضا، ينظر أحيانا إلى هذا التحرر بوصفه "تحريرا للطاقة المحتبسة"؛ لكن جوهر الفكرة، نفسياً وروحياً، واحد: سلامك لم يعد رهينة يد أحد سواك. وهذا لا يعني تبرير ما حدث أو لوم نفسك عليه هناك فرق جوهري بين "تحررك الداخلي من المرارة" (وهو شأنك أنت) و"المساءلة الخارجية عما حدث" (وهي تبقى حقا واجبا على من تسبب في الأذى).

3- التغيير الداخلي وامتداده للخارج

يستشهد كثيرا بالآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». التفسير المتداول لها غالبا اجتماعي وأخلاقي جماعي: حال الأمة لا يتبدل حتى يتبدل ما بداخلها من إرادة وعمل واختيار.

على المستوى الشخصي، يمكن قراءتها كدعوة لتوجيه طاقتنا نحو ما يقع فعلا ضمن دائرة تأثيرنا: تفسيراتنا، عاداتنا، اختياراتنا، وطريقة حضورنا القادمة. هذا قريب مما تسميه علم النفس "نظرية الفاعلية الذاتية": الإيمان بقدرتنا على التأثير في مسار حياتنا عبر جهدنا الخاص يرتبط بمرونة نفسية أعلى بعد الشدائد.

ومن منظور روحي شخصي، يمكن أيضا قراءة "ما بأنفسهم" بمعنى أوسع يشمل حالتنا الداخلية الكاملة: أفكارنا، نياتنا، وما نحمله من طاقة صامتة، لا فقط قراراتنا الظاهرة. أطرح هذا كزاوية إضافية للتأمل الشخصي، لا كتفسير حصري أو نهائي للآية.

خاتمة: من الضحية إلى الفاعل

سواء تبنيت الزاوية النفسية أو الروحية أو كلتيهما معا، الحرية الحقيقية لا تستلزم إنكار الجرح، ولا الادعاء بأننا استحضرناه بأنفسنا. هي تبدأ حين نتوقف عن تعليق سلامنا على حكم خارجي سواء من الشخص الذي آذانا، أو من "ميزان كوني" ننتظر أن ينصفنا. تسمية ما حدث لنا بصدق ليست انتكاسة لدور الضحية، بل نقطة انطلاق مسار تحرر صادق. والخلاصة ليست "أنا من صنعت كل هذا بذبذباتي"، بل: "بغض النظر عمن فعل ماذا، أنا من يقرر، من هنا فصاعداً، ماذا أحمل معي، وكيف أمضي".

وفـاء 


التحرر العظيم من وهم الخسارة والكمال: سيمفونية العبث والقبول في السلوك المعرفي

 


حين نتأمل طبيعة الوجود البشري بعين علم النفس الاجتماعي والسلوك المعرفي (Psychologie sociale et théories cognitivistes)، نكتشف أن أكبر مصادر الشجاعة والجرأة الفكرية (L'audace intellectuelle) تتبلور حين يدرك المرء أنه ليس لديه ما يخسره.

تبدأ هذه الشجاعة من لحظة التصالح مع حقيقة قاسية لكنها محررة: أننا تكبدنا خسارة وجودية فادحة ولا علاج لها منذ البداية، لمجرد أننا وُلدنا في عالم عبثي، وأننا لن نخرج من هذا النظام "الدارويني" منتصرين بل كأجساد فانية. أمام هذه التراجيديا الكبرى للحياة، تصبح كل الخسارات الأخرى تافهة وثانوية ولا معنى لها. ومن هنا ينبع اليقين السلوكي: قل ما شئت، افعل ما شئت، وعش كما تريد؛ فالإنسان القوي حقاً هو من تقبل بدون ذرة شك أنه خاسر لا محالة، فعاد يلعب ليستمتع فقط (Jouer pour le simple plaisir).

1. وهم الخيار الأفضل وانطفاء بريق الإنجاز:

في رحلة صنع القرار، يعلمنا التحليل المعرفي أن فكرة "الطريق الصحيح والوحيد" هي مجرد خرافة ذاتية. فمهما كانت الخيارات التي اتخذتها، ستظل هناك فكرة متجذرة في عقلك توهمك بأنك لم تختر الخيار الأفضل.

وعلى الجانب الآخر، تبرز مفارقة نفسية طريفة: بمجرد أن نحقق إنجازاً معيناً، يفقد قيمته المركزية بمرور الوقت ويتحول إلى مجرد حدث عابر يضاف لركام الأحداث السابقة (La dévaluation temporelle des réussites). فكل التجارب المدهشة "سواء كانت سلبية أو إيجابية" تفقد حمولتها العاطفية الأصلية، وكل شيء يتعرض للتآكل و"التدني القيمي" (Dévaluation)، تماماً كما عبر الفيلسوف ألبير كامو. إذن، لماذا نستمر في الاعتقاد بأن الفرص الضائعة والأشياء التي ندمنا على فواتها كانت ستكون مختلفة؟ إنه مجرد تضخم نفسي وهمي (Gonflement psychologique illusoire) يمنح الأشياء التي لم نقم بها سلطة وهمية لم تكن تمتلكها أبداً.

2. زهد المعنى وجوهر الثراء الداخلي:

حين نتحرر من سلطة الوهم، يتغير مفهومنا عن "قيمة الحياة". غنى حياتك لا يتعلق بكمية الأنشطة والحركة، فالحياة الخالية من التأمل أشبه بحياة الكائنات الحية التي تستهلك وقتها دون وعي. يمكنك أن تقضي عمرك كله جالساً تحت ظل شجرة تتأمل الاغصان، ولن تكون حياتك أقل غنى من حياة شخص آخر يركض خلف سراب الإنتاجية المستمرة، مادام لديك عقل تتصالح معه وترتاح له.

حينها فقط تدرك أنه لا توجد أشياء ضائعة في الماضي؛ فأنت لم تضيع شيئاً، بل سلكت طريقاً بديلًا لا أكثر. وكل الطرق تتساوى في النهاية أمام الزمن والنضج والموت، فالروتين يلتهم كل التفاصيل البرّاقة، ويبقى الحكيم هو من يدرك حقيقة ما قاله نيتشه: "لك طريقك، ولي طريقي، أما الطريق الصحيح أو الطريق الوحيد.. فهو غير موجود (Le chemin absolu n'existe pas)."


هندسة الهروب العاطفي

 


لماذا يختار البعض تشويه ضحاياهم للحفاظ على براءتهم الوهمية؟

في عالمنا النفسي الداخلي، غالباً ما نبحث عن العلاقات بحثاً عن الأمان، والاحتواء، والامتداد العاطفي نحو الآخر. لكن علم النفس الاجتماعي يكشف لنا عن أنماط معقدة من العلاقات السامة (Les relations toxiques) التي لا تُبنى على أساس التبادل العاطفي المتوازن، بل على ديناميكيات القوة الخفية والتهرّب من المسؤولية. عندما نتأمل تلك العلاقات التي لا تريد "شريكاً" بل تريد "مُتحمِّلاً" بلا حدود، فإننا نكون أمام ظاهرة سيكولوجية عميقة تستحق الوقوف عندها.

1. وهم الاستحواذ والانتقائية المطلقة:

يُظهر التحليل الاجتماعي والنفسي لهذا النمط من الشخصيات رغبة دفينة في الجمع بين متناقضات لا يجتمعان: الاستفادة القصوى من دفء العلاقة وقربها، مع الاحتفاظ بحرية الهروب الكاملة من التزاماتها (La liberté totale sans engagements).

هذا الشخص يريد أن يقتحم حياتك ليعيد تشكيلها، أن يوقظ فيك المعنى ويستنزف عاطفتك، لكنه يترك لنفسه كل الأبواب مفتوحة: ماضيه ملك له، حريته مطلقة، مزاجه هو بوصلة العلاقة، وغيابه حق مكتسب، بل وحتى قسوته يريدها أن تُعامل كشأن شخصي لا يحق للآخر الاعتراض عليه. وفي المقابل، يُطلب من الطرف الآخر دور أحادي الجانب: البقاء، التفهّم، الصبر، واستيعاب كل التناقضات دون التأثر بها.

2. استراتيجيات الدفاع النفسي العكسي:

حين تصل العلاقة إلى مرحلة الاختناق الطبيعي نتيجة هذا الخلل البنيوي، يبدأ العقل الباطن لهذا الشخص بتفعيل آليات دفاعية حمايةً للأنا (Les mécanismes de défense de l'ego). فبدلاً من مواجهة القسوة أو الاعتراف بالتقصير، يلجأ إلى:

 * عكس الآية: تحويل رد فعل الطرف الآخر (المطالبة بالاهتمام أو التعبير عن الألم) إلى "ضغط" أو "خنق".

 * محاكمة الحساسية لا الفعل: مناقشة ردة فعل الطرف الآخر ووصفه بأنه "حساس" أو "مبالغ فيه"، متجاهلاً تماماً القسوة التي تسببت في هذا الرد.

وعندما تصل الأمور إلى نهايتها الحتمية وينسحب الطرف المتضرر، يمارس العقل هنا آلية فصل الفعل عن أثره (L'isolation de l'effet )؛ فيتناسى له تماماً كم مرة تسبب في شعور الطرف الآخر بالوحدة، وكم مرة استخدم حريته ضد أمانه، ليقف مذهولاً أمام "الخطوة الأخيرة" وحدها، كأن الرحيل حدث في فراغ كوني بلا مقدمات.

3. الرواية البديلة وحاجة الكبرياء إلى متهم:

لماذا لا يعترف هؤلاء بخسارتهم؟

يجيبنا علم النفس الاجتماعي أن الكبرياء الهش (L'orgueil fragile) لا يحتمل مواجهة الحقيقة المتمثلة في أن الفقد هو نتاج مباشر لسوء المعاملة. الاعتراف بالذنب هنا يعني تحطيم الصورة المثالية التي يراها الشخص لنفسه. ولتجنب هذا الانهيار النفسي، يلجأ إلى صناعة "رواية بديلة (Un récit de substitution)".

تعتمد هذه الرواية على تشويه الطرف الآخر بوصفه بالبرود، القسوة، أو التخلّي بعد استنزافه. وهو لا يفعل ذلك كذباً متعمدًا فحسب، بل إنه غالباً يصدّق كذبته بالفعل (Il finit par croire à son propre mensonge)؛ لأن العقل البشري يفضل دائماً ارتداء ثوب "المظلوم البريء" على أن يقف وجهاً لوجه أمام مرآة مسؤوليته الأخلاقية. فالكبرياء البشري يحتاج دائماً إلى "متهم" خارجي كي لا يضطر يوماً للوقوف أمام المتهم الحقيقي: الذات (Le vrai coupable : Soi-même).

خلاصة سيكولوجية:

في النهاية، يعلمنا علم النفس أننا لا نعرف حقيقة الإنسان حين نرتبط به، بل نعرفه حين ننفصل عنه. إن المؤشر الأدق على نضج الإنسان وصحتنا النفسية ليس في من اختاروا الرحيل عنا، بل في عدد المرات التي اضطر فيها أحدهم إلى تشويهنا كي يستطيع النظر في مرآته كل صباح دون أن يرى وجه خطيئته.