مرحبا..معكم وفاء

هندسة الهروب العاطفي

 


لماذا يختار البعض تشويه ضحاياهم للحفاظ على براءتهم الوهمية؟

في عالمنا النفسي الداخلي، غالباً ما نبحث عن العلاقات بحثاً عن الأمان، والاحتواء، والامتداد العاطفي نحو الآخر. لكن علم النفس الاجتماعي يكشف لنا عن أنماط معقدة من العلاقات السامة (Les relations toxiques) التي لا تُبنى على أساس التبادل العاطفي المتوازن، بل على ديناميكيات القوة الخفية والتهرّب من المسؤولية. عندما نتأمل تلك العلاقات التي لا تريد "شريكاً" بل تريد "مُتحمِّلاً" بلا حدود، فإننا نكون أمام ظاهرة سيكولوجية عميقة تستحق الوقوف عندها.

1. وهم الاستحواذ والانتقائية المطلقة:

يُظهر التحليل الاجتماعي والنفسي لهذا النمط من الشخصيات رغبة دفينة في الجمع بين متناقضات لا يجتمعان: الاستفادة القصوى من دفء العلاقة وقربها، مع الاحتفاظ بحرية الهروب الكاملة من التزاماتها (La liberté totale sans engagements).

هذا الشخص يريد أن يقتحم حياتك ليعيد تشكيلها، أن يوقظ فيك المعنى ويستنزف عاطفتك، لكنه يترك لنفسه كل الأبواب مفتوحة: ماضيه ملك له، حريته مطلقة، مزاجه هو بوصلة العلاقة، وغيابه حق مكتسب، بل وحتى قسوته يريدها أن تُعامل كشأن شخصي لا يحق للآخر الاعتراض عليه. وفي المقابل، يُطلب من الطرف الآخر دور أحادي الجانب: البقاء، التفهّم، الصبر، واستيعاب كل التناقضات دون التأثر بها.

2. استراتيجيات الدفاع النفسي العكسي:

حين تصل العلاقة إلى مرحلة الاختناق الطبيعي نتيجة هذا الخلل البنيوي، يبدأ العقل الباطن لهذا الشخص بتفعيل آليات دفاعية حمايةً للأنا (Les mécanismes de défense de l'ego). فبدلاً من مواجهة القسوة أو الاعتراف بالتقصير، يلجأ إلى:

 * عكس الآية: تحويل رد فعل الطرف الآخر (المطالبة بالاهتمام أو التعبير عن الألم) إلى "ضغط" أو "خنق".

 * محاكمة الحساسية لا الفعل: مناقشة ردة فعل الطرف الآخر ووصفه بأنه "حساس" أو "مبالغ فيه"، متجاهلاً تماماً القسوة التي تسببت في هذا الرد.

وعندما تصل الأمور إلى نهايتها الحتمية وينسحب الطرف المتضرر، يمارس العقل هنا آلية فصل الفعل عن أثره (L'isolation de l'effet )؛ فيتناسى له تماماً كم مرة تسبب في شعور الطرف الآخر بالوحدة، وكم مرة استخدم حريته ضد أمانه، ليقف مذهولاً أمام "الخطوة الأخيرة" وحدها، كأن الرحيل حدث في فراغ كوني بلا مقدمات.

3. الرواية البديلة وحاجة الكبرياء إلى متهم:

لماذا لا يعترف هؤلاء بخسارتهم؟

يجيبنا علم النفس الاجتماعي أن الكبرياء الهش (L'orgueil fragile) لا يحتمل مواجهة الحقيقة المتمثلة في أن الفقد هو نتاج مباشر لسوء المعاملة. الاعتراف بالذنب هنا يعني تحطيم الصورة المثالية التي يراها الشخص لنفسه. ولتجنب هذا الانهيار النفسي، يلجأ إلى صناعة "رواية بديلة (Un récit de substitution)".

تعتمد هذه الرواية على تشويه الطرف الآخر بوصفه بالبرود، القسوة، أو التخلّي بعد استنزافه. وهو لا يفعل ذلك كذباً متعمدًا فحسب، بل إنه غالباً يصدّق كذبته بالفعل (Il finit par croire à son propre mensonge)؛ لأن العقل البشري يفضل دائماً ارتداء ثوب "المظلوم البريء" على أن يقف وجهاً لوجه أمام مرآة مسؤوليته الأخلاقية. فالكبرياء البشري يحتاج دائماً إلى "متهم" خارجي كي لا يضطر يوماً للوقوف أمام المتهم الحقيقي: الذات (Le vrai coupable : Soi-même).

خلاصة سيكولوجية:

في النهاية، يعلمنا علم النفس أننا لا نعرف حقيقة الإنسان حين نرتبط به، بل نعرفه حين ننفصل عنه. إن المؤشر الأدق على نضج الإنسان وصحتنا النفسية ليس في من اختاروا الرحيل عنا، بل في عدد المرات التي اضطر فيها أحدهم إلى تشويهنا كي يستطيع النظر في مرآته كل صباح دون أن يرى وجه خطيئته.