مرحبا..معكم وفاء

تشريح الجحود النفسي

 تشريح الجحود النفسي

حين يبرر العقل أنماط الاستغلال بدل مواجهتها

يعد الجحود بعد سنوات طويلة من العطاء والتضحية من أقسى الصدمات الوجدانية في العلاقات الإنسانية. وحين يصطدم الإنسان بشخص استنزف دعمه المادي والنفسي ثم استدار لينسلخ عنه ببرود مطلق، يبرز سؤال ملحّ: كيف يستطيع من فعل ذلك أن ينام بضمير مستريح؟ هذا السلوك لا يُختزل في مجرد انحدار أخلاقي، بل تحركه آليات نفسية موثّقة علمياً، في مقدمتها التنافر المعرفي وميكانيزمات حماية الأنا. وما يلي هو وصف لنمط سلوكي متكرر يقع فيه أشخاص في لحظات معينة، لا تصنيف جامد لنوع ثابت من البشر.

- التنافر المعرفي ومأزق الاتساق الداخلي

يرى عالم النفس ليون فستنغر (Leon Festinger) في نظريته الشهيرة أن الإنسان مبرمج فطريا للبحث عن انسجام داخلي بين منظومة أفكاره وسلوكاته.

حين يقترف الفرد فعلاً لا أخلاقيا، كالاستغلال المنهجي ثم التنكر لمن ضحى لأجله. ينشأ صراع داخلي حاد بين صورته المثالية عن ذاته (إنسان سوي، عادل، ونزيه) وبين واقعه الجاحد. هذا الصراع يولد توترا نفسيا يعرف بـ"التنافر المعرفي" (La dissonance cognitive). وغالبا ما تفتقر الشخصيات ذات النزعة النفعية للشجاعة النفسية اللازمة لمواجهة الخطأ وتحمل مسؤوليته، فتتجه بدل ذلك إلى حلول سريعة تُعدّل إدراكها للواقع بدل أن تصحح اعوجاج سلوكها.

- شواهد تجريبية تفسر السلوك

• تأثير العنب الحامض (L'effet des raisins trop verts): تستمد هذه الفكرة جذورها من حكاية الثعلب الذي يعجز عن قطف عنقود عالٍ فيقنع نفسه بأنه "حامض لا يستحق". وبالمثل، فإن الشخص العاجز عن رد الجميل أو تحمل وطأة الدَّين المعنوي، يميل في باطنه إلى التقليل من قيمة من ساعده، مقنعا نفسه بأنه لم يخسر شيئا ذا بال.

• تأثير بن فرانكلين بالمقلوب (L'effet Benjamin Franklin): تظهر الدراسات أننا غالبا نحب من قدمنا له معروفا، لأن عقلنا يبرر مساعدته بارتباط عاطفي تجاهه. لكن العكس يحدث أحيانا مع من يتلقى المعروف دون أن يقدر على رده: وجود الداعم يذكره باستمرار بلحظة ضعفه، فيأتي الجحود أحيانا كمحاولة للتخلص من "الشاهد الحي" على تلك الهشاشة.

- آليات الدفاع النفسي وإزاحة اللوم

للهروب من تأنيب الضمير، يستعين العقل بحيل معروفة في التحليل النفسي تحت مسمى "ميكانيزمات الدفاع" (Les mécanismes de défense):

• التقليل من الأهمية (La minimisation): تصغير حجم التضحيات والدعم المقدَّم، وتحويل سنوات العطاء إلى "محطات عابرة" لتخفيف وطأة الدَّين النفسي.

• التجريد من الصفة الإنسانية (La déshumanisation): التعامل مع الطرف الآخر كأداة انتهت صلاحيتها، لقطع قنوات الاتصال العاطفي معه بسهولة أكبر.

• إسقاط المسؤولية (Le transfert de responsabilité): إقناع النفس بأن الطرف الآخر وضع نفسه طوعا في ذلك الموقف، أو أن وجوده كان عبئا أصلا؛ لتوفير مبرر للانسحاب دون شعور بالذنب.

- هل هو "اضطراب نفسي"؟ وما مسار العلاج؟

من منظور علم النفس العيادي، لا يصنف هذا النمط كاضطراب عقلي تقليدي بذاته، بل هو خلل في البناء العاطفي والأخلاقي وتشوّه متكرر في آليات الدفاع النفسي.

• صعوبة العلاج: تصعب معالجة هذا النمط لأن أصحابه نادرا ما يعترفون بوجود خلل يستدعي العلاج؛ فالعقل يحمي نفسه بالإنكار، ويرى دائماً أن العلة في الآخرين.

• المسار المحتمل: إذا توجه الشخص للعلاج، يرتكز غالبا على العلاج المعرفي السلوكي (TCC) لتفكيك التشوهات المعرفية، وفهم أنماط الطفولة المؤثرة، والتدرب على تحمّل "الشعور بالذنب الصحي" والمسؤولية الأخلاقية.

محاولة "إنقاذ" من لا يطلب العلاج، أو انتظار تعافيه، غالبا ما يكون استنزافا إضافياً للطاقة النفسية لا طريقا للتعافي. المسار الأسلم غالباً هو الانسحاب الواعي، واستعادة السيادة على القرار، وتوجيه الطاقة نحو النمو الذاتي بدل انتظار تغيّر لا يملك المرء مفاتيحه.

- مصادر لمن أراد التعمق

من المراجع المعروفة في هذا الموضوع: الدكتورة رامــاني دورفاسولا (Dr. Ramani Durvasula)، وهي عالمة نفس إكلينيكية معروفة بمحتواها حول السمات النرجسية وديناميكيات "التخلي العاطفي" (Le rejet narcissique). كما تقدم منصات متخصصة في التعافي من العلاقات السامة شروحات مبسطة حول آليات الدفاع النفسي وكيف يخدع العقل نفسه أحياناً هرباً من استحقاقات النضج الوجداني.


جغرافيا الوجع: كيف أسست البشرية حضارتها على جراحها؟



توهم الفلاسفة طويلاً أن العالم شُيّد على صخرة الأفكار العميقة، وقواعد العقل، ومنظومة القيم المثالية. لكن الحقيقة الأكثر عراقة وقسوة تخبرنا بغير ذلك؛ فالعالم في جذره الأول مبني على شيء أبسط وأكثر بدائية: الألم التائه الذي لم يجد له مستقراً.

كل مؤسسة، قانون، نسق، حرب، أو ثورة، ليست في حقيقتها سوى محاولة بشرية مضنية لإدارة الوجع، ترويضه، توزيعه، أو نفيه بعيداً عن الذات نحو الآخرين.

- من هلع الوجود إلى اختراع النسق:

حين استفاق الإنسان الأول في فجر الوعي، وجد نفسه مجرداً أمام جسد هزيل وطبيعة ضارية وموت يتربص في كل منعطف. لم يكن يعيش في رحاب الفلسفة بل في قاع الهلع.

 * عجز عن إيجاد لغة، فخلق الرموز.

 * عجز عن إيجاد حضن، فابتكر القبيلة.

 * عجز عن تأمين طمأنينته الداخلية، فخلق الآلهة والزعماء.

لم تكن هذه البدائل مجرد أفكار تجريدية، بل كانت ضمادات جماعية وُضعت على جروح حية لا يطيق فرد واحد احتمالها بمفرده. الحضارة، بهذا المعنى، ليست سجناً للتقدم بل هي تقنية متطورة لتدبير الألم: تقسيمه، تبريره، وتمريره للأجيال اللاحقة.

- شرعنة الألم في تفاصيل الحياة اليومية:

تأمل تلك الممارسات الدقيقة التي يُنسج منها واقعنا الاجتماعي:

 * الطفل الذي يُقمع تحت دعوى "التربية الصارمة".

 * المرأة التي تُحاصر وتُراقب باسم "الحماية".

 * الرجل الذي يُجبر على كتم دموعه ليكون "قوياً".

 * الفقير الذي يُلقن الرضا بالفقر كـ"قسمة إلهية"، والمريض الذي يُقال له إن وجعَه مجرد "امتحان".

تلك ليست عادات عبثية، بل هي آليات دفاع جماعية تبتدعها المجتمعات كي تحمي نفسها من الانهيار تحت ثقل صدمات أفرادها. الفلسفة غلّفت هذه التقنيات لاحقاً بأردية "القيم"، لكن خلف كل قيمة رفيعة يختبئ خوف عتيق، وتحت كل خوف يكمن ألم لم يلتئم.

 الرجل الذي يفرض الطاعة العمياء في بيته، غالباً ما يعيد إنتاج طفولته المكسورة أمام سلطة أبيه أو المجتمع؛ لم يداوي عجزه، بل حوله إلى سيطرة.


- وراثة الصدمات وانفجارات التاريخ:

لا تُورث الجروح عبر المورثات البيولوجية وحدها، بل تتناقلها النبرات الحادة، الإيماءات، والصمت الثقيل. حين يقول أب لابنه بلغة جافة: "لقد عانيت أكثر منك ولم يشعر بي أحد.. اصبر"، فهو لا يسدي حكمة، بل يعترف خلسة: "لأنني جرحت في الخفاء، فلن أسمح لك بحرية الشعور التي حُرِمْتُ منها".

وعلى مسرح التاريخ الكبير، تبدو الحروب صراعات سياسية أو اقتصادية ظاهرياً، لكنها في باخترها تفريغ لغضب جماعي مدفون. شعب كامل يرزح تحت وطأة الإهانة والتهميش، عِوَضاً عن الذهاب للعلاج، يلتف حول شعارات معبأة مثل الكرامة، الهوية، والبطولة؛ وخلف تلك الرايات يرتجف إنسان عاجز عن احتمال وطأة قهره.

- خيارات النفس أمام الألم المكبت:

حين يعجز الإنسان عن مواجهة آلامه والاعتراف بها، يندفع نحو أحد مسارات ثلاثة:

 * الارتداد العكسي للداخل: توجيه الوجع نحو الذات عبر الاكتئاب، الجلد المستمر، أو الإدمان.

 * العدوان الخارجي: تصدير الألم للآخرين عبر القسوة، التحقير، والتسلط.

 * التقديس المضلل: تغليف الألم بشعارات كبرى (قضية، شرف، تضحية) ليتحول الانكسار إلى بطولة وهمية.

لهذا السبب، فإن الكثير ممن صفق لهم التاريخ ليسوا سوى أطفال مجروحين لم يُسمح لهم بالبكاء، فصنعوا من دمائهم قصائد وبطولات. التاريخ الإنساني في جوهره ليس تاريخاً للأفكار، بل هو سجل طويل لآلام تتنكر في ثياب الأفكار.


بين الظلم والتسامح، حين يلتقي علم النفس بالمنظور الروحي


في رحلة الوعي الذاتي، نحمل غالبا أفكارا موروثة وبرمجيات عميقة تشكل نظرتنا للوجود. من أبرزها فكرتان متلازمتان: "الظلم" بوصفه تفسيرا شاملا لكل ألم نمر به، و"التسامح" بوصفه تفضّلاً نمنحه للآخرين من موقع الضحية البريئة. هذا المقال يقرأ الفكرتين من زاويتين معا: زاوية نفسية تستند إلى أبحاث معروفة، وزاوية روحية شخصية أطرحها كمنظور لا كحقيقة علمية قاطعة. الظلم الفعلي حين يقع، يبقى ظلماً حقيقياً لا ينبغي إنكاره أو تذويبه في أي من الزاويتين؛ وفي الوقت نفسه، هناك مساحة واسعة من ألمنا اليومي مصدرها طريقة تفسيرنا وأنماط استجابتنا، لا الأحداث نفسها. الحرية تبدأ من معرفة الفرق بين الاثنين.

1- ما لا نعرف سببه المباشر... وما نجذبه فعلاً..

يميل الإنسان إلى إطلاق مصطلح "الظلم" على كل حدث سلبي لا يدرك سببه المباشر. من الناحية النفسية، هذا فخ معرفي معروف يسمى "التحيّز الإسنادي": نميل لعزو أسباب تجاربنا المؤلمة إلى عوامل خارجية أكثر مما نتفحص أنماطنا الداخلية في التفسير والتفاعل والاختيارات المتكررة في علاقاتنا.

ومن منظور روحي شخصي، أذهب أبعد قليلا من ذلك: أؤمن بأن ذبذباتنا الداخلية ومشاعرنا المتراكمة الواعية وغير الواعية، تشكل نوعا من الحقل الطاقي الذي ينجذب إليه ما يشبهه من مواقف وأشخاص وتكرارات. هذا ليس ادعاء علميا، بل عدسة روحية أجدها شخصيا مفيدة لمساءلة نفسي عن الأنماط التي أكررها باختياري، لا لتفسير كل ما يصيبني.

لكن لهذا المنظور حدودا أراها ضرورية: حين يتحول أذى حقيقي  إساءة، خيانة، اعتداء، ظلم فعلي وقع من طرف آخر  إلى "شيء جذبته أنت بذبذباتك"، تتحول الفلسفة من أداة تحرر إلى عبء إضافي فوق الجرح، ويصبح من تعرض للأذى مسؤولا عما فعل به. لذلك أطرح هذا المنظور كدعوة للتأمل في الأنماط المتكررة التي نصنعها نحن بأنفسنا، لا كتفسير شامل يحمل كل من تعرض لظلم فعلي وزره.

2- التسامح: ليس تبرئة للآخر، بل تحرير للذات..

ينظر للتسامح غالبا على أنه صك غفران نمنحه لمن آذانا، من موقع المتفضل. لكن أبحاث علم النفس الإيجابي حول التسامح تكشف شيئا مختلفا: التسامح لا يعني أن ما حدث كان صوابا، ولا أنه صك براءة للآخر. هو فك الارتباط العاطفي الذي يبقي جرحك مشدودا إلى من تسبب فيه.

طالما ظل سلامك النفسي معلقا على انتظار اعتذار، أو تغير، أو "عقاب" يناله من آذاك، يبقى سلامك في يد شخص آخر. التسامح الحقيقي يعيد قرار سلامك إليك أنت، بغض النظر عمّا يفعله الطرف الآخر أو لا يفعله. ومن المنظور الروحي أيضا، ينظر أحيانا إلى هذا التحرر بوصفه "تحريرا للطاقة المحتبسة"؛ لكن جوهر الفكرة، نفسياً وروحياً، واحد: سلامك لم يعد رهينة يد أحد سواك. وهذا لا يعني تبرير ما حدث أو لوم نفسك عليه هناك فرق جوهري بين "تحررك الداخلي من المرارة" (وهو شأنك أنت) و"المساءلة الخارجية عما حدث" (وهي تبقى حقا واجبا على من تسبب في الأذى).

3- التغيير الداخلي وامتداده للخارج

يستشهد كثيرا بالآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم». التفسير المتداول لها غالبا اجتماعي وأخلاقي جماعي: حال الأمة لا يتبدل حتى يتبدل ما بداخلها من إرادة وعمل واختيار.

على المستوى الشخصي، يمكن قراءتها كدعوة لتوجيه طاقتنا نحو ما يقع فعلا ضمن دائرة تأثيرنا: تفسيراتنا، عاداتنا، اختياراتنا، وطريقة حضورنا القادمة. هذا قريب مما تسميه علم النفس "نظرية الفاعلية الذاتية": الإيمان بقدرتنا على التأثير في مسار حياتنا عبر جهدنا الخاص يرتبط بمرونة نفسية أعلى بعد الشدائد.

ومن منظور روحي شخصي، يمكن أيضا قراءة "ما بأنفسهم" بمعنى أوسع يشمل حالتنا الداخلية الكاملة: أفكارنا، نياتنا، وما نحمله من طاقة صامتة، لا فقط قراراتنا الظاهرة. أطرح هذا كزاوية إضافية للتأمل الشخصي، لا كتفسير حصري أو نهائي للآية.

خاتمة: من الضحية إلى الفاعل

سواء تبنيت الزاوية النفسية أو الروحية أو كلتيهما معا، الحرية الحقيقية لا تستلزم إنكار الجرح، ولا الادعاء بأننا استحضرناه بأنفسنا. هي تبدأ حين نتوقف عن تعليق سلامنا على حكم خارجي سواء من الشخص الذي آذانا، أو من "ميزان كوني" ننتظر أن ينصفنا. تسمية ما حدث لنا بصدق ليست انتكاسة لدور الضحية، بل نقطة انطلاق مسار تحرر صادق. والخلاصة ليست "أنا من صنعت كل هذا بذبذباتي"، بل: "بغض النظر عمن فعل ماذا، أنا من يقرر، من هنا فصاعداً، ماذا أحمل معي، وكيف أمضي".

وفـاء 


التحرر العظيم من وهم الخسارة والكمال: سيمفونية العبث والقبول في السلوك المعرفي

 


حين نتأمل طبيعة الوجود البشري بعين علم النفس الاجتماعي والسلوك المعرفي (Psychologie sociale et théories cognitivistes)، نكتشف أن أكبر مصادر الشجاعة والجرأة الفكرية (L'audace intellectuelle) تتبلور حين يدرك المرء أنه ليس لديه ما يخسره.

تبدأ هذه الشجاعة من لحظة التصالح مع حقيقة قاسية لكنها محررة: أننا تكبدنا خسارة وجودية فادحة ولا علاج لها منذ البداية، لمجرد أننا وُلدنا في عالم عبثي، وأننا لن نخرج من هذا النظام "الدارويني" منتصرين بل كأجساد فانية. أمام هذه التراجيديا الكبرى للحياة، تصبح كل الخسارات الأخرى تافهة وثانوية ولا معنى لها. ومن هنا ينبع اليقين السلوكي: قل ما شئت، افعل ما شئت، وعش كما تريد؛ فالإنسان القوي حقاً هو من تقبل بدون ذرة شك أنه خاسر لا محالة، فعاد يلعب ليستمتع فقط (Jouer pour le simple plaisir).

1. وهم الخيار الأفضل وانطفاء بريق الإنجاز:

في رحلة صنع القرار، يعلمنا التحليل المعرفي أن فكرة "الطريق الصحيح والوحيد" هي مجرد خرافة ذاتية. فمهما كانت الخيارات التي اتخذتها، ستظل هناك فكرة متجذرة في عقلك توهمك بأنك لم تختر الخيار الأفضل.

وعلى الجانب الآخر، تبرز مفارقة نفسية طريفة: بمجرد أن نحقق إنجازاً معيناً، يفقد قيمته المركزية بمرور الوقت ويتحول إلى مجرد حدث عابر يضاف لركام الأحداث السابقة (La dévaluation temporelle des réussites). فكل التجارب المدهشة "سواء كانت سلبية أو إيجابية" تفقد حمولتها العاطفية الأصلية، وكل شيء يتعرض للتآكل و"التدني القيمي" (Dévaluation)، تماماً كما عبر الفيلسوف ألبير كامو. إذن، لماذا نستمر في الاعتقاد بأن الفرص الضائعة والأشياء التي ندمنا على فواتها كانت ستكون مختلفة؟ إنه مجرد تضخم نفسي وهمي (Gonflement psychologique illusoire) يمنح الأشياء التي لم نقم بها سلطة وهمية لم تكن تمتلكها أبداً.

2. زهد المعنى وجوهر الثراء الداخلي:

حين نتحرر من سلطة الوهم، يتغير مفهومنا عن "قيمة الحياة". غنى حياتك لا يتعلق بكمية الأنشطة والحركة، فالحياة الخالية من التأمل أشبه بحياة الكائنات الحية التي تستهلك وقتها دون وعي. يمكنك أن تقضي عمرك كله جالساً تحت ظل شجرة تتأمل الاغصان، ولن تكون حياتك أقل غنى من حياة شخص آخر يركض خلف سراب الإنتاجية المستمرة، مادام لديك عقل تتصالح معه وترتاح له.

حينها فقط تدرك أنه لا توجد أشياء ضائعة في الماضي؛ فأنت لم تضيع شيئاً، بل سلكت طريقاً بديلًا لا أكثر. وكل الطرق تتساوى في النهاية أمام الزمن والنضج والموت، فالروتين يلتهم كل التفاصيل البرّاقة، ويبقى الحكيم هو من يدرك حقيقة ما قاله نيتشه: "لك طريقك، ولي طريقي، أما الطريق الصحيح أو الطريق الوحيد.. فهو غير موجود (Le chemin absolu n'existe pas)."


هندسة الهروب العاطفي

 


لماذا يختار البعض تشويه ضحاياهم للحفاظ على براءتهم الوهمية؟

في عالمنا النفسي الداخلي، غالباً ما نبحث عن العلاقات بحثاً عن الأمان، والاحتواء، والامتداد العاطفي نحو الآخر. لكن علم النفس الاجتماعي يكشف لنا عن أنماط معقدة من العلاقات السامة (Les relations toxiques) التي لا تُبنى على أساس التبادل العاطفي المتوازن، بل على ديناميكيات القوة الخفية والتهرّب من المسؤولية. عندما نتأمل تلك العلاقات التي لا تريد "شريكاً" بل تريد "مُتحمِّلاً" بلا حدود، فإننا نكون أمام ظاهرة سيكولوجية عميقة تستحق الوقوف عندها.

1. وهم الاستحواذ والانتقائية المطلقة:

يُظهر التحليل الاجتماعي والنفسي لهذا النمط من الشخصيات رغبة دفينة في الجمع بين متناقضات لا يجتمعان: الاستفادة القصوى من دفء العلاقة وقربها، مع الاحتفاظ بحرية الهروب الكاملة من التزاماتها (La liberté totale sans engagements).

هذا الشخص يريد أن يقتحم حياتك ليعيد تشكيلها، أن يوقظ فيك المعنى ويستنزف عاطفتك، لكنه يترك لنفسه كل الأبواب مفتوحة: ماضيه ملك له، حريته مطلقة، مزاجه هو بوصلة العلاقة، وغيابه حق مكتسب، بل وحتى قسوته يريدها أن تُعامل كشأن شخصي لا يحق للآخر الاعتراض عليه. وفي المقابل، يُطلب من الطرف الآخر دور أحادي الجانب: البقاء، التفهّم، الصبر، واستيعاب كل التناقضات دون التأثر بها.

2. استراتيجيات الدفاع النفسي العكسي:

حين تصل العلاقة إلى مرحلة الاختناق الطبيعي نتيجة هذا الخلل البنيوي، يبدأ العقل الباطن لهذا الشخص بتفعيل آليات دفاعية حمايةً للأنا (Les mécanismes de défense de l'ego). فبدلاً من مواجهة القسوة أو الاعتراف بالتقصير، يلجأ إلى:

 * عكس الآية: تحويل رد فعل الطرف الآخر (المطالبة بالاهتمام أو التعبير عن الألم) إلى "ضغط" أو "خنق".

 * محاكمة الحساسية لا الفعل: مناقشة ردة فعل الطرف الآخر ووصفه بأنه "حساس" أو "مبالغ فيه"، متجاهلاً تماماً القسوة التي تسببت في هذا الرد.

وعندما تصل الأمور إلى نهايتها الحتمية وينسحب الطرف المتضرر، يمارس العقل هنا آلية فصل الفعل عن أثره (L'isolation de l'effet )؛ فيتناسى له تماماً كم مرة تسبب في شعور الطرف الآخر بالوحدة، وكم مرة استخدم حريته ضد أمانه، ليقف مذهولاً أمام "الخطوة الأخيرة" وحدها، كأن الرحيل حدث في فراغ كوني بلا مقدمات.

3. الرواية البديلة وحاجة الكبرياء إلى متهم:

لماذا لا يعترف هؤلاء بخسارتهم؟

يجيبنا علم النفس الاجتماعي أن الكبرياء الهش (L'orgueil fragile) لا يحتمل مواجهة الحقيقة المتمثلة في أن الفقد هو نتاج مباشر لسوء المعاملة. الاعتراف بالذنب هنا يعني تحطيم الصورة المثالية التي يراها الشخص لنفسه. ولتجنب هذا الانهيار النفسي، يلجأ إلى صناعة "رواية بديلة (Un récit de substitution)".

تعتمد هذه الرواية على تشويه الطرف الآخر بوصفه بالبرود، القسوة، أو التخلّي بعد استنزافه. وهو لا يفعل ذلك كذباً متعمدًا فحسب، بل إنه غالباً يصدّق كذبته بالفعل (Il finit par croire à son propre mensonge)؛ لأن العقل البشري يفضل دائماً ارتداء ثوب "المظلوم البريء" على أن يقف وجهاً لوجه أمام مرآة مسؤوليته الأخلاقية. فالكبرياء البشري يحتاج دائماً إلى "متهم" خارجي كي لا يضطر يوماً للوقوف أمام المتهم الحقيقي: الذات (Le vrai coupable : Soi-même).

خلاصة سيكولوجية:

في النهاية، يعلمنا علم النفس أننا لا نعرف حقيقة الإنسان حين نرتبط به، بل نعرفه حين ننفصل عنه. إن المؤشر الأدق على نضج الإنسان وصحتنا النفسية ليس في من اختاروا الرحيل عنا، بل في عدد المرات التي اضطر فيها أحدهم إلى تشويهنا كي يستطيع النظر في مرآته كل صباح دون أن يرى وجه خطيئته.


لماذا نتزوج الشخص الخطأ؟

 



نحن لا نعرف أنفسنا كفاية

حين نبحث عن شريك، غالباً نقف عند صفات عامة: لطيف، طموح، ممتع، وسيم.

هذه الصفات صحيحة. لكنها لا تكفي.

كل واحد فينا يحمل مجموعة من العيوب، الجروح، والحساسيات التي لا يعيها هو نفسه غالباً.

لا أحد يشجّعنا على اكتشافها قبل الزواج.

العلاقة الناجحة ليست بين شخصين "بلا عيوب". هذا النوع لا وجود له تقريباً.

هي بين شخصين معيوبين، وجدا طريقة ليتعايشا مع عيوب بعضهما.

إن شعرنا أن لا شيء فينا يزعج، فهذا مؤشر مقلق، لا مؤشر اطمئنان. لأن الفجوة بين صورتنا عن أنفسنا وصورتنا الحقيقية (Écart du soi) تكبر كلما قلّ وعينا بها.

السؤال ليس: هل لدينا عيوب؟

بل: أين تحديداً تكمن عيوبنا؟

ولا نعرف الآخر بما يكفي

حتى من نحبه، غالباً لا يعرف نفسه جيداً.

هو أيضاً يحمل عقده وجراحه، دون وعي كامل بها.

نظن أننا "تعرّفنا عليه" لأننا زرنا عائلته، رأينا صور طفولته، سمعنا بعض حكاياته.

لكن هذا أقرب لطفل يعرف تطيير طائرة ورقية، ويظن نفسه قادراً على قيادة طائرة بوينغ.

نبني انطباعاتنا الأولى على تفاصيل بسيطة: ابتسامة، طريقة كلام، نظرة عين.

هذا ما يسمّيه علم النفس الاجتماعي "أثر الهالة" نفترض أن صفة إيجابية واحدة تعني أن كل شيء آخر فيه جيد أيضاً.

الأُلفة أقوى من السعادة

نظن أننا نبحث عن السعادة، لكننا غالباً نبحث عن المألوف فقط.

في الطفولة، تعلّمنا لأول مرة معنى "أن نُحَب".

وعند كثيرين، كان هذا الدرس ممزوجاً بالتحكم، أو الإهمال، أو الحرمان العاطفي.

فنكبر، وننجذب " دون وعي " لما يشبه ذلك الشعور القديم، حتى وإن كان مؤلماً.

هذا ما يفسّره "أثر التعرّض المتكرر" (Effet de simple exposition): كلما تكرر شعور، صار مألوفاً أكثر، ومرغوباً أكثر، حتى لو كان مؤذياً.

وترتبط هذه الأنماط أيضاً بما يسمّى أنماط التعلّق العاطفي (Styles d'attachement) التي تشكّلت في طفولتنا.

الزواج هروباً من الوحدة

الاختيار المتسرّع غالباً هروب من الوحدة، لا اختيار واعٍ.

الإنسان لديه حاجة نفسية أساسية للانتماء (Besoin d'appartenance)، وحين تشتد، قد نخلط بينها وبين الحب.

لكن الزواج ليس علاجاً للوحدة.

الشريك لا يستطيع أن يعوّضنا عن العالم كله.

الاندفاع الأعمى وراء الشغف

كثيراً ما نصدّق أن الشعور القوي وحده دليل كافٍ.

هذا ما يسميه علماء النفس "الأوهام الإيجابية" (Illusions positives): ميل العاشقين لرؤية شريكهم بصورة مثالية، أكمل مما هو عليه فعلاً.

هذه الأوهام مفيدة في بداية العلاقة، لكنها خطيرة حين تصبح الأساس الوحيد لقرار الزواج.

لم نتعلّم شيئاً عن الحب

نتزوج غالباً دون أي تحضير نفسي حقيقي.

لا نقرأ عن الموضوع، لا نسأل من نجحوا، ولا نفهم لماذا فشل من فشلوا.

الأسئلة القديمة كانت: من عائلته؟ كم يملك؟

والأسئلة الرومانسية اليوم: هل يشغل تفكيري باستمرار؟

لكن الأسئلة الحقيقية يجب أن تكون: ما عيوبنا وعيوب الشريك؟ كيف سنتعامل مع الخلاف؟

الرغبة في تجميد اللحظة السعيدة

نقع في خطأ شائع: نظن أن السعادة التي شعرنا بها في لحظة ما، سببها الشخص الذي كان بجانبنا فقط.

بينما غالباً، كانت السعادة نتاج السياق كله: المكان، الجو، غياب المسؤوليات.

هذا ما تشرحه تجربة نفسية شهيرة عن "إساءة عزو الانفعال" (Erreur d'attribution émotionnelle): حين نخلط بين مصدر شعورنا الحقيقي، وبين الشخص الحاضر في تلك اللحظة فقط.

الزواج لا يملك سحراً يجمّد اللحظة الجميلة.

سينقلنا لمرحلة أخرى تماماً: مسؤوليات، روتين، تعب يومي.

 وهم الاستثناء

الإحصائيات تقول إن كثيراً من الزيجات تعاني.

لكننا، في أعماقنا، نظن أننا الاستثناء.

هذا ما يسمّيه علم النفس الاجتماعي "تحيّز التفاؤل" (Biais d'optimisme): ميل عام لدى البشر لتقدير احتمال تعرّضهم هم أنفسهم لمشكلة، أقل من الواقع.

الأفضل أن نرى أنفسنا جزءاً من الصورة العامة، لا استثناءً منها، لنستعد للتحديات بدل أن نُفاجأ بها.

الإرهاق الذي يقرر بدلاً منا

قبل الزواج، غالباً نكون منهكين من محاولات فاشلة، من بحث لا ينتهي.

وفي لحظة معينة، نقرر: يكفي.

هذا ما يسمّيه علماء النفس "إرهاق القرار" (Fatigue décisionnelle): حين يستنزف الاختيار المتكرر طاقتنا الذهنية، فنميل لأول خيار "مقبول"، بدل الخيار الأنسب فعلاً.

الزواج ليس مخلّصاً من هذا الإرهاق.

الشك، الخوف، خيبة الأمل..كلها موجودة داخل الزواج، كما هي موجودة خارجه.

أخيراً: متى نصبح جاهزين فعلاً؟

القرار الصحيح لا يأتي من نصيحة المحبطين، ولا من الاندفاع، ولا من التعب.

يأتي من وعينا بأنفسنا أولاً، ثم بالآخر، ثم بالفخاخ النفسية التي تجعلنا نخلط بين الحب والألفة، بين الشغف والاستقرار، بين اللحظة والدوام.

لكن هذا الوعي وحده لا يكفي. يبقى سؤال أهم: متى نكون فعلاً جاهزين؟

1- حين ندفن فكرة "توأم الروح":

لن نجد إنساناً كاملاً، ولن نكون كذلك.

كل من نحبه سيأتي بحمولته من العيوب: الغضب أحياناً، الإرهاق، سوء الفهم.

هذا ما تشرحه "النظرية الضمنية للعلاقات" (Théories implicites de la relation) لريموند ني: من يؤمن بأن "القدر" وحده كفيل بجمع روحين متطابقتين (destinée)، ينهار أمام أول خلاف. أما من يؤمن بأن العلاقة تُبنى بالجهد المشترك (croissance)، فهو من يصمد.

2- حين نتوقف عن انتظار من يفهمنا بلا كلام:

الحب في بدايته يخدعنا: نظن أننا وجدنا من يفهمنا دون شرح.

هذا ما يسمّيه علم النفس "وهم الشفافية" (Illusion de transparence): نعتقد أن ما بداخلنا واضح للآخر، بينما هو، في الحقيقة، بحاجة أن نقوله.

النضج هو أن نتعلّم الشرح، لا أن ننتظر أن يُخمَّن ما بداخلنا.

3- حين نعترف أننا أيضاً "مجانين" قليلاً:

اعتدنا اتهام الآخر بقلة الفهم أو الحمق.

النضج الحقيقي هو أن نتوقف عند جنوننا نحن.

هذا ما يسمّيه علماء النفس "التحيّز لصالح الذات" (Biais d'auto-complaisance): ميلنا لتبرير أخطائنا ولوم الآخرين على أخطائهم.

حين نعترف بعيوبنا بروح رياضية، يصبح التعايش ممكناً.

4- حين نصبح قادرين على منح الحب، لا فقط انتظاره:

بالفطرة، نبحث عمّن يمنحنا الحب الذي فقدناه في الطفولة.

لكن الشريك الناجح يعكس الدور: يصبح هو من يمنح، لا فقط من يطلب.

هذا قريب مما يسميه علماء نفس التعلّق "نظام الرعاية" (Système de soins): القدرة على قراءة احتياجات الآخر وتلبيتها، كما يفعل والد متفهم مع طفله الصغير.

5- حين نصبح مستعدين "للإدارة":

الزواج أشبه بشركة صغيرة: تخطيط، ميزانية، مسؤوليات موزعة.

هذا ما تفسّره "نظرية الإنصاف" (Théorie de l'équité): العلاقات تدوم حين يشعر الطرفان أن ما يقدمانه وما يأخذانه متوازن، لا حين يُترك كل شيء للعاطفة وحدها.

الرومانسية الحقيقية تكمن أحياناً في إنجاز الواجبات الروتينية بحب، لا في الشغف وحده.

6- حين نعرف أن الزواج ليس عن الجسد فقط:

الشغف الجنسي يقود العلاقة في أشهرها الأولى، ثم يهدأ حتماً.

هذا ما يفرّق بينه علماء النفس بمصطلحي "الحب المتّقد" و"حب الرفقة" (Amour passionnel et amour de compagnonnage): الأول سريع الاشتعال والانطفاء، والثاني يُبنى بصبر، وهو ما يصمد أمام المسؤوليات.

7- حين نصبح مستعدين أن نُعلَّم ونُعلِّم:

نتقبّل أن الشريك يعرف أشياء أفضل منا، ونتواضع لنتعلم.

ونتعلّم كيف نكون معلّمين فيما نُتقنه.

هذا جوهر ما تسميه "نظرية توسّع الذات" (Théorie de l'expansion de soi) : العلاقات الناجحة هي التي يوسّع فيها كل طرف معرفة الآخر وعالمه، لا التي يبقى فيها كل طرف كما كان.

8- حين نقبل أننا لن نتفق في كل شيء:

الاختلاف في الذوق ووجهات النظر سيظهر، مهما بلغ التفاهم الأولي.

الشريك المناسب هو من يعرف كيف "يتكيّف" مع هذه الاختلافات بحكمة، لا من ينكرها.

هذا ما تسميه كاريل روسبولت "التكيّف" (Accommodation): الاستجابة البنّاءة لسلوك الشريك المزعج، بدل الانسحاب أو الانتقام.

الانسجام ليس غياب الاختلاف، بل فضول هادئ تجاهه.

وفي انتظار أن تصبح "دورات التأهيل للزواج" أمراً معتاداً، كما هو الحال في دورات تربية الأطفال، يبقى الخيار الوحيد المتاح: أن نُعلّم أنفسنا بأنفسنا، وأن نتعاطف مع شريكنا، في علاقة لم يُحضّرنا لها أحد.

حين تتكلم الطفولة بلغة الجسد


  أعمق من الجلسة العلاجية

الصدمة لا تُشفى فقط على أريكة معالج.

أحياناً، تحتاج أن تعيد بناء الملفات القديمة نفسها.

تلك التي تراكمت فيك منذ الطفولة، دون أن تختار محتواها.

الأبحاث الحديثة حول تجارب الطفولة السيئة (Expériences négatives de l'enfance - ACE) تقول شيئاً مقلقاً: الجرح الذي لا يُعالَج في الصغر.. لا يختفي. يكبر معك. أحياناً يتحول إلى اضطراب في الشخصية. أحياناً أخرى، إلى مرض مناعي في جسدك الكبير.

حين يُمنع الغضب من الخروج

الوالدان هما أول "خارطة" نتعلم منها العالم.

وحين لا تسمح لطفلك الداخلي أن يغضب، أن يصرخ، أن يرفض..

يبقى جهازك العصبي في حالة تأهّب دائم. جاهز للهجوم أو للهروب (Lutte ou fuite)، حتى بعد أن يزول الخطر بسنوات.

هذا الاحتقان لا يبقى شعوراً فقط.

يتسلل إلى الجسد، ويتحدث بلغته: التهاب، إرهاق، ألم بلا تفسير طبي واضح.

التسامح ليس درساً أخلاقياً

لا أحد يطلب منك أن "تكون طيبا" وتسامح.

التسامح هنا شيء آخر تماماً.

هو أن تقطع الإمداد الطاقي عن جرح ما زال مفتوحاً.

سواء بكلمة، برسالة لم تُرسَل، أو بمجرد أن تُنهي الحوار الداخلي مع صورة أب أو أم ما زالت تسكن لاوعيك.

التسامح لا يعني أن ما حدث كان صحيحاً.

يعني فقط: أنا لن أدع الماضي يُدير نفسيتي (Psyché) بعد اليوم.

مصالحة مع نُسخك القديمة

وهناك تسامح آخر، أصعب أحياناً.

أن تسامح نفسكِ.

ذلك الطفل الذي دافع بالطريقة الوحيدة التي عرفها.

ذلك الذي انغلق لأنه لم يجد أماناً.

لم يكن ضعيفا. كان يتكيّف فقط، مع بيئة أكبر منه.

والمصالحة مع كل تلك النسخ.. هي الجسر الوحيد نحو من أنت الآن.

 حين يهدأ الداخل.. يهدأ الجسد

حين يتوقف الصراع الداخلي، وتتوقف عن جلد نفسك..

جهازك المناعي يعود، شيئاً فشيئاً، إلى توازنه.

لأن جسدك لم يعد مضطراً أن يترجم كل جرح نفسي إلى مرض عضوي.

الأمراض النفسجسدية، حين تفهمها هكذا، تتوقف عن كونها "قدراً أعمى".

تصبح فقط إشارة.

تقول لك: هنا، حان وقت الوعي. حان وقت المصالحة. حان وقت التحرّر.

أخيراً

يقول كارل يونغ ما يلخّص كل هذا:

"حتى تصنع من اللاواعي واعياً، سيظل يوجه حياتك وتسميه أنت قدراً."





حين يسقط القناع

 


الوعي الذي يوجع

حين يرتفع وعيُك، لا يتغيّر العالم.

يتغيّر ما تراه فيه.

الأقنعة التي كانت تبدو حقيقية.. تتهاوى واحداً تلو الآخر.

ليس لأن الناس زيّفوا شيئاً، بل لأنّهم – مثلنا تماماً – كانوا يُؤدّون.

يسمّي عالِم الاجتماع إرفينغ غوفمان هذا "الأداء الاجتماعي"، ويقول إنّ لكل واحد منّا مسرحاً بواجهة (Scène avant) نُظهر فيها أنفسنا بعناية، وكواليس (Coulisses) نخبّئ فيها ما لا نجرؤ أن يُرى.

القناع الذي صار وجهاً

في البداية، نلبس القناع لنحمي أنفسنا.

ثم، مع الوقت، ننسى أنّنا لبسناه أصلاً.

نبني صورتنا عن أنفسنا من عيون الآخرين، هذا ما يسمّيه تشارلز كولي "الأنا-المرآة" (Soi-miroir): أنا لستُ أنا، أنا كما يراني الآخرون.

ونكرّر الدور حتى يذوب في هويتنا، فنبحث فقط عمّن يُصدّق نسختنا المزيّفة، لأنّ الثبات – ولو كان ثباتاً على كذبة – أهون من مواجهة الفراغ.

حين يكون الإخلاص خوفاً

 تلك الزوجة التي تبدو وفيّة إلى الأبد.

أحياناً، ما تسمّيه حبّاً.. هو خوف فقط.

خوف من أن ينهار كل شيء لو واجهت الحقيقة.

فتُعيد صياغة الشكّ ليصبح إخلاصاً، لأنّ الاعتراف بالشكّ يعني أن تهدم بيتاً بنته بيديها.

يسمّي فستنغر هذا "التنافر المعرفي" (Dissonance cognitive): كلّما استثمرت أكثر، كذبت على نفسك أكثر لتبرّر.

الأب القوي الذي يرتجف بالداخل

وذلك الأب الصارم.

صوته عالٍ، قبضته حديدية.

لكن خلف كل هذا.. طفل مرتعب لم يُسمح له يوماً أن يبكي.

القوة الظاهرة، غالباً، ليست قوة.

هي تعلّق قلق (Théorie de l'attachement)، لم يجد له مكاناً آمناً ليظهر، فارتدى الصلابة بدل الدمعة.

 دور الضحية

وهناك من يستجدي الضعف.

ليس كذباً بالضرورة، بل حاجة.

فالضحية تُعفى من المسؤولية، وتُمنح تعاطفاً بلا مقابل. هذا ما يُعرف بـ"المكسب الثانوي" (Bénéfice secondaire): أن تربح شيئاً من الجرح، فتتمسّك به دون أن تدري.

الصوت العالي.. والصمت الذي بداخله

كل ثقة صاخبة، اسمعها جيداً.

أحياناً هي فقط محاولة لإسكات صوت أعمق يقول: "لست كافياً."

يُسمّى هذا في علم النفس "إدارة الرعب" (Théorie de la gestion de la terreur): نُضخّم أنفسنا كي لا نسمع خوفنا من الفناء.

والكاريزما، تلك التي تسحرنا، غالباً ما تُتقن قراءة جوعنا للانتماء، لا قول الحقيقة. فنحن، كجمهور، لا نبحث عن الصدق بقدر ما نبحث عمّن يجعلنا نشعر.

الابتسامة التي تحرس جرحاً

حتى تلك السعادة الدائمة.

قد تكون فقط "عملاً عاطفياً" (Travail émotionnel)، كما تسمّيه أرلي هوكشيلد: ابتسامة تُدار بوعي، لا لإنكار الجرح، بل لحمايته من أعين لا تستحقّ أن تراه.

والعلاقات؟ كثير منها ليس اتحاداً روحياً، بل ميزاناً هادئاً بين ما نُعطي وما نأخذ (Théorie de l'échange social).

حين تكتشف أن القناع كان لك أنت

المفارقة الكبرى؟

ليست أقنعة الآخرين هي الأخطر.

بل ذلك القناع الذي ارتديته أنت، طويلاً، حتى نسيت وجهك الحقيقي تحته.

وحين يكتمل الوعي، لا يتحوّل إلى إصبع اتهام.

بل إلى ما يُسمّى "خطأ الإسناد الأساسي" (Erreur fondamentale d'attribution): أن تفهم أن كل من حولك.. يؤدّي دوره الذي عُلِّمه، لا الدور الذي اختاره بحرّية.

أخيراً

الحياة مسرح كبير، والجميع يؤدّون أدواراً جاهزة: البطل، الحكيم، الضحية، المنقذ.

لكن حين تعرف هذا، لا تعود تُدين أحداً.

تجلس في الصفوف الخلفية، تتأمّل المسرحية بسلام، عارف أن الحقيقة الكبرى.. كانت دائماً تنتظر خلف الستار.

حبيبي الإيگو

 



أكتب هذا لک، لأنک كنتِ هي أنا. 

¹.  الوهم الجميل

في البدايات، ثمّة سحر لا يُقاوَم.

ليس سحر الإنسان أمامکِ.

بل سحر ما تشعرين بهحين تكونين معه.

هذا الإحساس بأنّكِ مهمّة.

بأنّکِ مرئيّة.

بأنّ ثمّة من يحتاجکِ.

 لكنّ الحقيقة التي لا نريد أن نسمعها، أنّ هذا الإحساس لم يأتِ منه.

 جاء منّا نحن.

الإيگو يُنتج هذا الإحساس، ثم يُلصقه على أوّل شخص يظهر

في اللحظة التي نكون فيها جائعات للحبّ. 

². الجوع القديم

لا أحد يقع في فخّ الإيگو صدفة.

وراء كلّ امرأة أعطت أكثر مما أخذت، طفلةٌ تعلّمت في مرحلة ما أن الحبّ يُكسَب،

لا يُمنَح مجاناً.


ربّما فقدتْ أباها مبكّراً ،فبحثتْ عن أمانه في كلّ رجل.

ربّما عاشتْ في بيتٍ حيث الحبّ مشروط، فأصبح العطاء المستمرّ هو لغتها الوحيدة.

ربّما آمنت في قرارة نفسها، أنّها لو توقّفت عن العطاء ..توقّف الحبّ معها.

والإيگو يعرف هذا الجوع، يشمّه من بعيد. ويأتيك في اللحظة التي تكونين فيها أكثر ضعفاً متنكّراً في هيئة الحبّ الذي طال انتظاره. 

³. المنقذة التي لم تُطلَب

ثمّة نمط يتكرّر، ونحن نُسمّيه حبّاً.

لكنّه في جوهره شيء آخر.

نرى إنساناً جريحاً، ونقول في سرّنا :

"أنا أستطيع أن أُشفيه."

نرى إنساناً ضائعاً، ونقول :

"أنا أستطيع أن أُرشده."

نرى إنساناً غير مكتمل، ونقول :

"أنا سأُكمله."

وننسى سؤالاً جوهرياً واحداً..هل طلب منّا أحد كلّ هذا؟

لا.

لكنّ الإيگو يجعل الإنقاذ يبدو كالحبّ..لأنّ في الإنقاذ قوّة .

وفي القوّة أمان. وفي الأمان وهم السيطرة على ما لا نستطيع السيطرة عليه.

وهو أن يُحبّنا أحد فعلاً. 

⁴. الجسد لا يكذب

قبل أن يستيقظ العقل، كان الجسد يصرخ.

إرهاق لا تفسير له.

أرق في الليالي الهادئة.

ثقلٌ في الصدر، كأنّكِ تحملين ما لا تعرفين اسمه.

وجعٌ في الرجلين، كأنّ الجسد يقول : "لقد حملتِ ما لا يخصّكکِ لفترة أطول مما تحتملين."

الجسد ليس عدوّنا، هو الشاهد الأمين الذي يحتفظ بكلّ ما رفض العقل أن يراه. 


والطريف أننا نذهب للطبيب حين يؤلمنا الجسد، لكنّنا نتجاهله حين يُحدّثنا عن الحقيقة.

⁵. الصمت الذي أوّلناه خطأً

أتذكر كيف كنتُ أُترجم الغياب، حين لم يردّ.. قلتُ : "مشغول."

حين أعطى القليل، قلتُ : "هكذا طبعه."

حين لم يسأل، قلتُ: "لا يُعبّر بالكلام."

وحين كنتُ أشعر بالوحدة بجانبه، قلتُ: "أنا المشكلة."

هذا ما يفعله الإيگو، يجعلكِ مُترجِمة ماهرة لكل شيء.. إلّا للحقيقة. 

لأنّ الحقيقة كانت بسيطة وموجعة، من يريدکِ.. يُظهر ذلک.

بلا تفسير. بلا تأويل. بلا انتظار.

⁶. لحظة الرؤية

لم تكن لحظة صاخبة.

لم تكن مشهداً درامياً.

كانت لحظة صمت عميق، حين جلستُ مع نفسي وحدي وسألتُ بصدق.."من أصبحتُ منذ أن دخل هذا الإنسان حياتي؟"

والجواب جاء هادئاً كالسكّين :

امرأةٌ أصغر.

أضعف.

أكثر شكّاً في نفسها.

أقلّ ثقة بما تستحقّ.

وأدركتُ، أنّ أيّ علاقة تجعلكِ أقلّ مما كنتِ.. ليست علاقة حبّ. بل علاقة فقدان بطيء للذات. 

⁷.  ما تعلّمتُه عن الإيگو

الإيگو لا يُحبّ، يمتلک.

الإيگو لا يرى الإنسان، يرى ما يحتاجه منه.

الإيگو لا يعطي، يستثمر.

الإيگو لا يصبر، يراكم الديون العاطفية، ثم يُقدّم الفاتورة في أسوأ الأوقات.

والفرق بين الإيگو والحبّ ، أنّ الحبّ يجعلکِ أوسع و الإيگو يجعلکِ أصغر. 

⁸. وداعٌ بلا عتاب

حين كتبتُ وداعي، لم أكتبه غضباً، كتبته تحرّراً.

لم أتّهمه، لأنّه لم يكن يعرف أكثر مما يعرف.

لم أتّهم نفسي، أنّني كنتُ أفعل ما علّمتني إيّاه جروحي.

قلتُ فقط: "شكراً لکَ. 

علّمتَني أن أرى.

علّمتَني أن أختار.

علّمتَني أن أكون.

وداعاً حبيبي الإيگو 

لقد آن أوان الحبّ الحقيقي."

 أخيراً  

رسالة إلى كلّ امرأة

إن كنتِ تقرئين هذا، وتجدين فيه صدىً لقصّتکِ..فاعلمي، أنّکِ لستِ ضعيفة لأنّکِ أحببتِ بهذه الطريقة.

أنتِ امرأة علّمتها الحياة، أن تُحبّ بكلّ ما تملک..لكنّ الحبّ الحقيقي لا يطلب منکِ أن تُفرغي نفسکِ.

 يطلب منکِ أن تكوني ممتلئة. والامتلاء..لا يأتي من إنسان.

يأتي من أن تكوني أنتِ.


وفـاء